صديق الحسيني القنوجي البخاري

598

فتح البيان في مقاصد القرآن

فلمداخلة اليهود والنصارى أو بالنظر إلى الناموس الطبيعي لأن جميع الأمم الذين لم تبلغ إليهم دعوة الأنبياء لا بد لهم من ناموس يتمسكون به . ومن المعلوم أن الأبكم مع عدم اطلاعه على شيء من هذه الأشياء إذا اشتبه أو اضطر ينظر إلى السماء وكذلك البهائم الوحشية إذا أصابها الجدب ، وساقه في أشعياء قوله : إني قد أصبت عند من لم يسأل عني ووجدت عند من لم يطلبني وقلت لأمة لم تدع باسمي انظري إلي انظري إلي لأني قد أظهرت يدي طوال النهار إلى فئة طاغية سالكة في سبيل سيئ ممتثلة لأهوائها وفئة أي فئة تغيظني أمام وجهي وتقرب قرابينها في البساتين وتبخر في مباخر الشياطين التي تسكن المقابر وتأكل لحم الخنازير ومرق النجاسة في أوانيها . فمن قوله أصبت قوله انظري إلي ، إشارة إلى انحراف الناموس إلى العرب واصطفائه محمدا صلى اللّه عليه وآله وسلم ومن قوله لأني إلى قوله ممتثلة لأهوائها إشارة إلى اليهود ، ومن قوله وفئة إلى قوله في أوانيهم إشارة ظاهرة في حق النصارى . إذا فهمت فاعلم أن هذا النص لا يمكن أن يستدل به على غير ما ذكرته لك لأنه هو موضوعه ولا يجوز الاستدلال بالتأويلات التضمينية أو الاستلزامية فيما لم تكن قرينتهما موجودة سيما إذا كانت قرينة المطابقة فيه ظاهرة ، وفقني اللّه وإياك لاقتفاء سنة نبيه المصطفى صلى اللّه عليه وآله وسلم إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير . وفي لوقا وأشعياء : صوت صارخ في البرية أعدوا طرق الرب وهيؤوا سبله فإن كل واد سيمتلىء وكل جبل وأكمة ستضع وتعتدل المعوجات وتلين الصعبات ويشاهد خلاص اللّه كل ذي جسد انتهى . وهذا من أوضح البراهين الواردة في شأن محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم وقد تغافل اليهود والنصارى عنه فأوله اليهود في شأن مسيحهم الموهوم ، وأوله النصارى في حق إلههم المعلوم ، والحق أنه لا يدل على ذلك . أما إنه لا يدل على المسيح الموهوم فلأن سياقه في أشعياء قوله سلوا شيعتي سلوهم قال إلهكم سلوا أورشليم وقولوا لها إن تعبها قد تم وخطيئتها قد غفرت لأنه قد وقع عليها من يد الرب لخطيئتها ضعفان من العذاب ، وهذا صوت صارخ يقول في الهدية هيؤوا الرب ووطؤوا لأجل ألهنا في البادية سبيلا مرتفعا فإن كل واد سيرتفع ، وكل جبل وأكمة ستتضع وسيعتدل المعوج وستلين الصعبات وسيظهر مجد اللّه ويشاهده كل ذي جسم لأن فم اللّه نطق به ، فقال الصوت اصرخ فقال بما ذا أصرخ فإن جميع الأجسام كلأ وكل مجدها كزهر الحقل فالكلأ يذبل والزهر يسقط لأن روح الرب يرفع عليه ، ولا شك أن الملأ كلأ فيجف الكلأ ويسقط الزهر وكلمة اللّه تمكث إلى الأبد .